أبي حيان التوحيدي
26
المقابسات
هشام بن عروة « 1 » عن أبيه عروة بن الزبير عن أبي عبيدة بن الجراح . قال أبو عبيدة : لما استقامت الخلافة لأبى بكر بين المهاجرين والأنصار ، ولحظ بعين الهيبة والوقار ، بعد هنة « 2 » كاد الشيطان بها يسر ، فدفع اللّه شرها ، وأدحض عسرها ، فركد كيدها ، وتيسر خيرها ، وقصم ظهر النفاق والفسق بين أهلها بلغ أبا بكر عن علي تلكؤ وشماس « 3 » ، وتهمهم ونفاس « 4 » ، فكره أن يتمادى الحال وتبدو العورة ، [ وتشتعل الجمرة ] وتنفرج ذات البين ، ويصير ذلك دربة لجاهل مغرور ، أو عاقل ذي دهاء ، أو صاحب سلامة ضعيف القلب خوّار العنان ، فدعاني في خلوة فحضرته وعنده عمر وحده ، وكان عمر قبسا له ، وظهيرا معه ، يستضيء بناره ، ويستملى من لسانه ، فقال لي : يا أبا عبيدة ، ما أيمن ناصيتك ، وأبين الخير بين عينيك « 5 » ، لقد كنت من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، بالمكان المحوط ، والمحل المغبوط ؛ ولقد قال فيك في يوم مشهود : « أبو عبيدة أمين هذه الأمة » « 6 » وطالما أعز اللّه الإسلام بك ، وأصلح ثلمه على يديك ، ولم تزل للدين ملتجأ ، وللمؤمنين مرتجى ، ولا هلك ركنا ، ولا خوانك ردءا « 7 » قد أردتك لأمر ما بعده
--> ( 1 ) كان معروفا بعدم الثقة فيما يرويه من الأخبار عن علي بن أبي طالب ( 2 ) الهنة : خصلة الشر ( 3 ) الشماس : النفور ( 4 ) التهمهم والنفاس : مراوغة الأمر وإرادته للفخر به والتنافس فيه ( 5 ) في شرح ابن أبي الحديد : وأبين الخير بين عارضيك . والذي أثبتناه هنا أليق بالمقام ( 6 ) عن أنس قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « لكل أمة أمين ، وإن أميننا أيتها الأمة أبو عبيدة » ( 7 ) رواية ابن أبي الحديد « ولم تزل للدين ناصرا وللمؤمنين روحا ، ولأهلك وكنا ، ولاخوانك مردا » وقد اخترنا ما أثبتناه في الأصل على هذه